الخطيب الشربيني
690
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وقال قوم : الزمان أربعة أقسام شتاء وربيع وصيف وخريف ، وقيل : شتاء وصيف وقيظ وخريف . قال القرطبي : الذي قاله مالك أصح لأنّ الله تعالى قسم الزمان قسمين ، ولم يجعل لهما ثالثا ، وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنهم كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف ، وقال آخرون : كانت لهم رحلتان في كل عام للتجارة إحداهما : في الشتاء إلى اليمن لأنها أدفأ ، والأخرى في الصيف إلى الشام ، وكان الحرم واديا جدبا لا زرع فيه ولا ضرع ، وكانت قريش تعيش بتجارتهم ورحلتهم ولولا الرحلتان لم يكن لهم مقام بمكة ، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف ، وأول من سنّ لهم الرحلة هاشم بن عبد مناف ، وكانوا يقسمون ربحهم بين الغني والفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم ، وفي ذلك يقول الشاعر « 1 » : قل للذي طلب السماحة والندى * هلا مررت بآل عبد مناف هلا مررت بهم تريد قراهم * منعوك من ضر ومن اتلاف الرائشين وليس يوجد رائش * والقائلين هلم للأضياف والخالطين فقيرهم بغنيهم * حتى يكون فقيرهم كالكافي والقائلين بكل وعد صادق * والراحلين برحلة الإيلاف عمرو العلا هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف سفرين سنهما له ولقومه * سفر الشتاء ورحلة الأصياف وتبع هاشما على ذلك إخوته فكان هاشم يؤالف إلى الشام ، وعبد شمس إلى الحبشة ، والمطلب إلى اليمن ، ونوفل إلى فارس ، وكان تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار بجاه هذه الإخوة ، أي : بعهودهم التي أخذوها بالأمان لهم من ملك كل ناحية من هذه النواحي . ولما كان هذا التدبير لهم من الله تعالى كافيا لهمومهم الظاهرة بالغنى والباطنة بالأمن ، وكان شكر المنعم واجبا ، قال تعالى : فَلْيَعْبُدُوا أي : قريش على سبيل الوجوب شكرا على هذه النعمة خاصة إن لم يشكروه على جميع نعمه التي لا تحصى ، لأنهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأبعدهم عن الكفران رَبَّ هذَا الْبَيْتِ أي : الموجد له والمحسن إلى أهله بحفظه من كل طاغ ، وبإذلال الجبابرة له ليكمل إحسانه إليهم ، وعطفه عليهم بإكمال إعزازه لهم في الدنيا والآخرة ، والمراد به الكعبة عبر عنها بالإشارة تعظيما لشأنها . ثم وصف نفسه الأقدس بما هو ثمرة الرحلتين ومظهر لزيادة شرف البيت بقوله تعالى : الَّذِي أَطْعَمَهُمْ أي : قريشا بحمل الميرة إلى مكة بالرحلتين إطعاما مبتدأ مِنْ جُوعٍ أي : عظيم فيه غيرهم من العرب ، أو كانوا هم فيه قبل ذلك ؛ لأنّ بلدهم ليس بذي زرع فهم عرضة للفقر الذي ينشأ عنه الجوع فكفاهم ذلك وحده ، ولم يشركه أحد في كفايتهم فليس من الشكر إشراكهم غيره
--> ( 1 ) الأبيات من الكامل ، والبيت الثالث بلا نسبة في لسان العرب ( ريش ) ، وتاج العروس ( ريش ) ، ويروى البيت الخامس بلفظ : المنعمين إذا النجوم تغيرت * والظاعنين لرحلة الإيلاف وهو لمطرود بن كعب الخزاعي في لسان العرب ( رجف ) .